الشيخ محمد رشيد رضا

66

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم تائبين فقبل اللّه توبتهم كما تقدم ، وقال حنا فيهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ وهو الظاهر من العطف بثم ، وأما على التوجيه الآخر فهو تأكيد لما في أول الآية من التوبة على الجميع إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وهذا تعليل لقبول توبتهم فالرأفة العناية بالضعيف والرفق به والعطف عليه . والرحمة أعم وأوسع وتقدم تحقيق معناها في تفسير الفاتحة . قرأ ( كادَ يَزِيغُ ) بالياء التحتانية حمزة وخفص ، وقرأها الباقون ( تزيغ ) بالفوقانية ، والمعنى واحد فيهما الا ان في هذه من احتمال الاعراب النحوي ما ليس في تلك * * * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا أي وتاب أيضا على الثلاثة الذين خلفوا عن الخروج إلى تبوك معه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم المرجون لأمر اللّه في الآية ( 106 ) أو خلفوا بمعنى أرجئوا حتى ينزل فيهم امر اللّه ، وهم كعب بن مالك من بني سلمة وهلال ابن أمية من بني واقف ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ اي خلفوا وأبهم اللّه أمرهم إلى أن شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم برحبها أي بما وسعت من الخلق خوفا من العاقبة وتألما وامتعاضا من إعراض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عنهم وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة والتحية وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ اي وضاقت أنفسهم على أنفسهم ، وانما كان ذلك بما كانوا يشعرون به من ضيق صدورهم بامتلاء قلوبهم من الهم والغم حتى لا متسع فيها لشيء من البسط والسرور ، فكأنهم لا يجدون لأنفسهم مكانا ترتاح اليه وتطمئن به وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ واعتقدوا انه لا ملجأ لهم من سخط اللّه يلجؤن اليه الا اليه تعالى بان يتوبوا اليه ويستغفروه ويرجون رحمته فان الرسول البر الرؤف الرحيم بأصحابه ما عاد ينظر إليهم ولا يكلمهم حتى يطلبوا دعاءه واستغفاره ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لا يشفع في الدنيا ولا في الآخرة إلا لمن ارتضى اللّه أن يشفع لهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ اي بعد ذلك كله عطف تعالى ورجع عليهم وأنزل قبول توبتهم